الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
582
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . أمر بالتّقوى لأنّها ملاك الخير ، وبها يكون ترك الفسوق . وقوله : وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ تذكير بنعمة الإسلام ، الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة ، ونظام العالم ، وهو أكبر العلوم وأنفعها ، ووعد بدوام ذلك لأنّه جيء فيه بالمضارع ، وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أنّ التقوى سبب إفاضة العلوم ، حتى قيل : إنّ الواو فيه للتعليل أي ليعلّمكم . وجعله بعضهم من معاني الواو ، وليس بصحيح . وإظهار اسم الجلالة في الجمل الثلاث : لقصد التنويه بكلّ جملة منها حتى تكون مستقلّة الدلالة ، غير محتاجة إلى غيرها المشتمل على معاد ضميرها ، حتى إذا سمع السامع كلّ واحدة منها حصل له علم مستقلّ ، وقد لا يسمع إحداها فلا يضرّه ذلك في فهم أخراها ، ونظير هذا الإظهار قول الحماسي « 1 » : اللّؤم أكرم من وبر ووالده * واللؤم أكرم من وبر وما ولدا واللؤم داء لوبر يقتلون به * لا يقتلون بداء غيره أبدا فإنّه لما قصد التشنيع بالقبيلة ومن ولدها ، وما ولدته ، أظهر اللّؤم في الجمل الثلاث ولما كانت الجملة الرابعة كالتأكيد للثالثة لم يظهر اسم اللؤم بها . هذا ، ولإظهار اسم الجلالة نكتة أخرى وهي التهويل . وللتكرير مواقع يحسن فيها ، ومواقع لا يحسن فيها ، قال الشيخ في « دلائل الإعجاز » « 2 » ، في الخاتمة التي ذكر فيها أنّ الذوق قد يدرك أشياء لا يهتدى لأسبابها ، وأنّ ببعض الأئمة قد يعرض له الخطأ في التأويل : « ومن ذلك ما حكي عن الصاحب أنّه قال : كان الأستاذ ابن العميد يختار من شعر ابن الرومي وينقط على ما يختاره ، قال الصاحب فدفع إليّ القصيدة التي أولها : أتحت ضلوعي جمرة تتوقّد * على ما مضى أم حسرة تتجدّد وقال لي : تأمّلها ، فتأمّلتها فوجدته قد ترك خير بيت فيها لم ينقّط عليه وهو قوله : بجهل كجهل السيف والسيف منتضى * وحلم كحلم السيف والسيف مغمد
--> ( 1 ) وهو الحكم ابن مقداد ويدعى ابن زهرة وزهرة أمه ويعرف بالحكم الأصم الفزاري ، وتنسب الأبيات إلى عويف القوافي أيضا واسمه عوف بن حصن الفزاري . ( 2 ) ص 400 مطبعة الموسوعات بمصر .